الجمعة، 22 فبراير 2013

جولة قرآنية في مدلولات الصبر


د.سلمان العودة

الصبر ضرورة من ضرورات الحياة، فإنه لابد من البلاء لكل إنسان، فمن رضي واحتسب كان على خير، ومن سخط مر عليه القدر وكُتب غير صابر، والصبر أنواع يجب معرفتها، وهو درجات، وأحوال الناس فيه مختلفة، وللناس فيه نماذج مشرقة في الأنبياء والصالحين، والجنة لا يلقاها إلا الصابرون.

قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "ذكر الله تعالى الصبر في تسعين موضعاً"، قال ابن القيم في مدارج السالكين: "وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعاً"، ثم أوصلها في عدة الصابرين إلى اثنين وعشرين نوعاً، ومن هذه الأوجه والأنواع التي جاء ذكر الصبر فيها في القرآن والسنة، منها على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل:- الأمر بالصبر: كما قال الله تعالى: (فَاصْبِرْ) في مواضع كثيرة والنهي عن ضده، وما هو ضد الصبر؟ الجزع ضد الصبر: إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ [المعارج:19-22]

إن الاستعجال ضد الصبر، قال الله تعالى فاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ الأحقاف:35، فاستعجال الخطوات، والطريق، والعذاب الذي ينـزل بالكافرين كل ذلك نقيض الصبر، والله تعالى أمر رسله الكرام بالصبر ونهاهم عن الاستعجال، ولهذا جاء في الصحيحين أن الصحابة رضي الله عنهم اشتكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقالوا: )ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال لهم عليه الصلاة والسلام إن من كان قبلكم كان يحفر له في الأرض فيوضع فيها، ثم يمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يثنيه ذلك عن دينه، ويشق نصفان لا يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).

فالاستعجال نقيض الصبر. واليأس نقيض الصبر قال الله تعالى : إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف:87] أما المؤمن فصبور مؤمن بوعد الله تعالى لا يجد اليأس إلى قلبه سبيلاً.
والاستخفاف نقيض الصبر،قال الله تعالى: وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:60].
وكذلك الاستفزاز قال الله تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ [الإسراء:76] .
والفتنة عن المنهج والطريق قال الله تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الإسراء:73].
أما الصبور فهو لا يراوح في مكانه، صابر يموت مثلما تموت الشجرة، بقوتها وقامتها وصبرها وثباتها تواجه الرياح والعواصف والأعاصير والرمال والنكبات، وهي ذات جذع غليظ ضارب في التربة راسخ لا يتزعزع ولا يتزلزل، ولا تنكفئ به الرياح ذات اليمين وذات الشمال.فهو لا يجزع؛ إن مسه الخير صبر وشكر، وإن مسه الشر صبر وثبت، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (عجباً لأمرالمؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) . ولذلك جاء في الأثر "إن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر" فالصبر في الضراء والشكر في السراء، قال عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه: "لو أن الصبر والشكر كانا جملين ما أبالي أيهما ركبت" إما أن يبتلى فيصبر أو أن ينعم عليه فيشكر.


فالمؤمن لا يجزع ولا يستعجل الخطوات، ولا يستبطئ النصر، ولا ييأس من روح الله، ولا يستخفه الذين لا يوقنون فيحملونه على أن يترك منهجه، أو ييأس من طريقه، أو يشكك في دعوته، أو تأتيه الظنون وتراوح به الخواطر في قلبه، فيشك فيما وعد الله، وما وعد الله تعالى حق وصدق: ولَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22] .

ولايستفز المؤمن فيستعجل طريقه، أو يبطئ في خطواته، أو يترك منهجه، أو يفتن عن شيء منه. ومن الصور الواردة في القرآن الكريم، أن الله تعالى علق الإمامة في الدين بالصبر واليقين، قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] قال سفيان :"بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين"، وكذلك علق الله تعالى به الفلاح، وأخبر أنه يحب الصابرين، وأنه مع الصابرين، وأنه تعالى جعل الصبر عوناً وعدة، وأمر بالاستعانة به في كل نازلة تنـزل بالعبد، مصيبة دنيوية أو دينية، أو هم أو غم أو كرب أو حزن، كما قال الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:45-46] .

وبين سبحانه أن الصبر مع التقوى سبب للنصر والثبات، كما قال سبحانه: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيئَاً [آل عمران:120] وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {واعلم أن النصر مع الصبر} وأخبر أن الصبر جنة عظيمة من كيد العدو، كما قال الله فيما سبق: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ [آل عمران:120] فلم يتوقف كيدهم ساعة من نهار.

اليهود والنصارى والمشركون والوثنيون، وسائر أعداء الدين ما فتئوا يكيدون لهذا الدين ويحاربون أهله، ويرسمون الخطط سراً وجهارا بالتكفير والتضليل والتجويع والتفريق بين المؤمنين، لكن الله تعالى جعل الجنة والعصمة للصابرين المتقين، وأخبر أن ما حصل للأمم السابقة من التمكين والنصر والتثبيت في الأرض إنما هو بصبرهم، كما قال سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف:137].

فهؤلاء الطغاة الذين كادوا ودبروا وصنعوا وتآمروا دمر الله تعالى عليهم تدميراً، وللكافرين أمثالها: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ [الأعراف:137] وعلى غيرهم من الأمم المؤمنة بما صبروا، فنصرهم الله تعالى ومكن لهم في الأرض، وجعل الله تعالى ما حصل لنبيه يوسف عليه الصلاة والسلام من العز والتمكين في الأرض بعد البلاء والغربة وما جرى له في قصر العزيز إنما هو بصبره وتقواه: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فإن اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90].

وجمع للصابرين من الأمور ما لم يجمع لغيرهم، قال سبحانه: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:45-46] أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:157] .

ثم أخبر عن مضاعفة الأجور للصابرين وأنهم يجزون بأحسن أعمالهم: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:96]،ورتب الأجر الكبير والمغفرة على الصبر والعمل الصالح: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [هود:11]، وأخبر سبحانه أن الملائكة تدخل عليهم يوم القيامة من كل باب تسلم عليهم، وتهنيهم بالأجر العظيم والثواب الجزيل الذي حصل لهم بصبرهم: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24].

وجعل الصبر على المصائب من عزائم الأمور الذي ينبغي على كل امرئ مسلم رجلاً أو امرأة كبيراً أو صغيراً أن يلجأ إليه ويسعى له: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى:43] كما أخبر أن خصال الخير والحظوظ العالية لا يلقاها إلا الصابرون: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت:35]

كما أخبر سبحانه أن خصال الخير كما ذكرت إنما ينالها الصابرون وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35]،وذكر أن الذين ينتفعون بالآيات ويعتبرون هم أهل الصبر والشكر: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور [لقمان:31]،ثم اثنى على بعض عباده بالصبر؛ كما اثنى على أيوب: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً [ ص:44] ، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: " وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر" وقال عليه الصلاة والسلام: "ومن يتصبر يصبره الله "وقال في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري: "والصبر ضياء" ضياء ينير لك الظلام، ويمهد لك الطريق، ويفتح لك السدد والأبواب بإذن الحي القيوم الوهاب.

وما يلقاها إلا الصابرون

وإذا كان الصبر ضرورة للمسلم العادي فما بالك بالداعين إلى الله تعالى، أو المجاهدين الصابرين في سبيله، إنهم أحوج إلى الصبر، وكيف لا يحتاجون إلى الصبر وهم يواجهون ألواناً من الأعداء الظاهرين والمستترين.

فمن أعدائهم المحادون لله ورسله، النابذون شريعة الله تعالى وراءهم ظهرياً، من أهل التمكين والنفوذ الذين يحاربون السنة وأهلها، لعلمهم أن التمسك بالإسلام يهب المسلمين الاستعلاء والعزة والتحرر من العبودية للمخلوقين، أو الخوف منهم، وهذا يحملهم على رد الباطل على أهله، حتى ولو كان أهله هم السادة والقادة، وأن التمسك بالإيمان يجعلهم أمة واعية داعية متميزة، عارفة بحقوقها التي يجب أن تصل إليها، عارفة بواجباتها التي يجب أن تؤديها، فهي لا تجهل حقها فتقصر عن المطالبة به، ولا تجهل واجبها فيلبس عليها بجعل ما ليس بواجب واجباً، لعلمهم أن التمسك بالإسلام يجعل المسلمين أمة عقيدة لا يقر لها قرار؛ إلا بتطبيق شريعة الله تعالى في أرضه، فالمسلمون ليس همهم -مثلاً- الرفاهية المادية فحسب، ولا همهم فقط التيسيرات الدنيوية فحسب، وإنما همهم الأول والأخير أن تطبق شريعة الله تعالى في عباده.

ولعلمهم أن التمسك بالإسلام الصحيح يحملهم على القيام بالقوامة على المجتمع ومراقبة سيره، ومعالجة انحرافه، ومقاومة القوى الخفية العلمانية التي تسعى إلى إضلال الناس وتخريب عقولهم وأديانهم، وإغراقهم في الشهوات، وهذه شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهر بكلمة الحق، والقيام بواجب الدعوة إلى الله تعالى، وهؤلاء المتسلطون على المسلمين يعملون على إغراء العلماء والدعاة بالمال والمنصب والجاه، وسائر الحظوظ الدنيوية لصرفهم عمَّا هم عليه، وواجب العالم والداعية حينئذٍ الصبر ومقاومة الإغراء، كما يتعرض العالم إذا استعلى على المادة والإغراء يتعرض للتهديد والتخويف والتضييق، وربما أخرج من بلده، أو أوذي أو قتل أو أوذي في نفسه أو أهله أو ماله، ولا بد من احتمال ذلك كله في الضراء والسراء.

ومن ألد أعداء المؤمنين حملة المذاهب الأرضية، الذين يستخدمون كل سبيل لنشر مذهبهم، كالإذاعة والتلفاز والجريدة والمقالة والقصة والكتاب والديوان والشعر وكل سبيل، وقد أصبحت اليوم وسائل كثيرة مما يتمكنون بها أن يخاطبوا المسلمين، وغالب هؤلاء قد تشبعوا بالمبادئ الغربية أو الشرقية، وتربوا عليها خلال فترة دراستهم أو طلبهم؛ ومُنُّوا بالأماني الباطلة أن الدولة ستكون لهم، وأنهم سيتمكنون من قلب الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي، والأوضاع الفكرية والاجتماعية وصياغتها وفق ما يريدون، وهم يعلمون أن الخطر الحقيقي على مخططاتهم من دعاة الإسلام وعلمائه الصادقين، الذين يستفرغون جهادهم وجهدهم وطاقتهم في تجديد أمر الدين والدعوة إليه.

فيسعى هؤلاء العلمانيون وغيرهم جاهدين إلى الحيلولة بين العلماء وبين الأمة، بتشويه سمعتهم، وإلصاق التهم بهم، فهم حيناً يصفونهم بالجمود والتخلف والرجعية، وحيناً يصفونهم بأنهم متطرفون إرهابيون، أصوليون، وحيناً يصفونهم بأنهم يسعون إلى قلب الأوضاع، والسيطرة على مقاليد الأمور والوصول إلى مقاليد الحكم، وأنهم لا يريدون ديناً ولا إصلاحاً ولا أمناً ولا إيماناً وإنما همهم الدنيا ووظائفها ورئاساتها.وحيناً يتهمونهم بأنهم خطر على الأمن، وأنهم سوف يمزقون المجتمع إلى شيع وأحزاب وطوائف.ويستغلون في ذلك سائر الوسائل التي يسيطرون عليها، من أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والصحافة والكتابة وترويج الإشاعات وغير ذلك مما قد أصبح معروفا ًمكشوفاً، ولعل هؤلاء الذين يحاربون الدعوة داخلون فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة الشهير: "دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قال حذيفه: صفهم لنا يا رسول الله؟ قال: قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا} قال ابن حجر قال القابسي: "معناه أنهم في الظاهر على ملتنا؛ وفي الباطن مخالفون لنا".

ومن أعداءالمسلم أصحاب الفرق والأهواء من الفرق الضالة المخالفة للسنة، كـالصوفية والباطنية بشتى فرقها وشيعها، والمعتزلة وغيرهم، فهؤلاء منهم، وهم على الباطل بلا خفاء وهم يلبسون الحق بالباطل، فيغتر الناس أحياناً بما معهم من الحق، ويقبلون كل ما عندهم من حق أو باطل بلا تمييز.

وكثيراً ما تقف هذه الطوائف الثلاث: الحكام المتسلطون، ودعاة المذاهب الأرضية من العلمانيين وغيرهم، وشيوخ البدعة والضلالة وأتباعهم، يقفون في خندق واحد ضد السنة وأهلها، ويتعاونون في تضييق الخناق على أهل الحق والاتباع حتى يصل الحال إلى ما قيل: وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكمُ وهناك الأعداء الخارجيون من اليهود والنصارى والمشركين، الذين هم أشد عداوة وكيداً ومكراً وخبثاً، وبيدهم اليوم مقاليد الإعلام والاقتصاد في العالم، وبواسطتها يؤثرون تأثيراً بالغاً في سياسات الدول الشرقية والغربية، ولهم جمعيات سرية، ومنظمات خفية يتحركون باسمها حتى في بعض البلاد التي تتظاهر بحرب اليهود والنصارى، تجد أن لهم الماسونية، وشهود يهوه، ونوادي الروتاري، وبعض الجمعيات النسائية، والجمعيات الفنية، والجمعيات الرياضية، والنقابات وغيرها، ومثلهم النصارى أيضاً وهم حلفاء اليهود الذين يهيمنون على بلاد الغرب كـأمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا بل وروسيا، يحاربون المسلمين علانية في كثير من البلاد.

أنواع الصبر الضروري

إن الصبر على الدين لا بد منه، ومن لم يكن عنده صبر لا يكون عنده إيمان، وكلما ترقى العبد في مدارج العبودية والجهاد، واشتدت عليها التكاليف وثقلت وطأتها زادت حاجته إلى الصبر، وكلما فسدت الحياة وأسن المشرب، واستحقرت غربة الدين، وقل الأنصار، وكثر الأعداء والمناوئون والكائدون، زادت الحاجة إلى الصبر، حتى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في حديث أبي ثعلبة الخشني، قال لأصحابه ":فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن كقبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله قالوا: يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم.قال: بل أجر خمسين منكم"،وهو حديث رواه أهل السنن وهو حسن بشواهده، ومثله أيضاً حديث عتبة بن غزوان ":إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذٍ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم،" وهو حديث حسن أيضاً.

الصبر على الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، والإنفاق، وسائر الأعمال التي تحتاجها الدعوة، من التضحية بالنفس أو بالمال، أو بالأهل والعشيرة، أو بالوقت أو بالراحة، والصبر على أذى المشركين والمنافقين والفاسقين والمناوئين، فلا يخرج الإنسان عن طوره، ولا يتسرع أو يتهور أو يستعجل، بل يظل على منهجه الذي آمن به، واطمأن إليه، ولا يستجيب لاستفزاز الذين لا يوقنون.الصبر على ما يلقاه الإنسان داخل الصف المؤمن أحياناً من النقائص بين المؤمنين والتناقض والمآخذ والعيوب، حتى من إخوانه وأصحابه وأقرب الناس إليه، كما قال عليه الصلاة والسلام :"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ".

إن من الطبيعي أن يجد الإنسان تخلخلاً في الصفوف، أو ضعفاً في العزائم، أو قلة في الاتباع، أو إخلاداً إلى الراحة، أو تناقضاً في الجهود، فيكون دأب المؤمن الصابر العمل على الإصلاح وتلافي العيوب ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

والصبر عن المعاصي التي تنتشر وتفشو ويصبح التحرز منها أمراً صعباً، فمعصية في البيت، ومعصية في السوق، ومعصية في الطائرة، ومعصية في البر، ومعصية في البحر، ومعصية عبر الهاتف، وأخرى عبر المذياع، وثالثة على شاشة التلفاز، ورابعة في الجريدة، وخامسة في كتاب، وسادسة في المدرسة، وسابعة في العمل، وثامنة في الحي، وتاسعة ربما كانت على أبواب المساجد، فيحتاج الإنسان إلى أن يتمنطق بالصبر على هذه المعاصي لينال رضا الله سبحانه وتعالى.

وهذا الزمن الذي تفاقمت فيه الأمور، وكثرت الفتن، واشتدت فيه الكروب على المسلمين، وأصبح المسلم يخاف على دينه صباحاً أو مساء، وأصبح المؤمنون يشردون في مشارق الأرض ومغاربها، ويودعون غياهب السجون بغير ذنب اقترفوه، ولا جرم افتعلوه إلا أن يقولوا: ربنا الله، ولينكل بهم غيرهم، فلا يقوم إلى الله تعالى داع، ولا يتحرك إلى الله تعالى ناصح، ولا يأمر أحد بمعروف، ولا ينهى أحد عن منكر، ولا يطالب أحدٌ بتحكيم شريعة الله تعالى، فيشرد بهؤلاء، وينكل بهم، ويؤذون، ويضيق عليهم ويضطهدون، ويجد الإنسان من ذلك شيئاً كثيراً عظيماً في سائر بلاد الإسلام، ويجد هذه المعاصي المنتشرة الكثيرة الظاهرة، بينما تجد الطاعات قد أغلقت أبواب كثير منها، أو كادت، فيحتاج إلى الصبر على ذلك كله.

وهاهنا يأتي مصداق ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس بن مالك الذي رواه الترمذي وغيره:"يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر"، وفي حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام:"ويل للعرب من شر قد اقترب، فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل "، نعم فقد باع دينه بوظيفة، أو راتب، أو مقابل، أو جعل، أو عطاء، أو مرتبة، أو ما أشبه ذلك مما يتقرب به من الناس ويباعده عن رب العالمين.

وكثير من الناس يحاول الواحد منهم أن يثبت ولاءه، وإخلاصه لهذا بأن يطعن في هذا، ويشتم ذاك، ويسب هؤلاء، ويتهم أولئك، ولسان حاله يقول: أنا وحدي المخلص الصادق الوفي لك أو لفلان أو لزيد أو عبيد، فيشتري الدنيا ويبيع الآخرة -والعياذ بالله- ويبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، قال عليه السلام ":المتمسك يومئذٍ بدينه كالقابض على الجمر -أو قال- على الشوك".وفي مثل هذه الحال يتأكد الصبر ويتحتم ويصبح من أوجب الواجبات، لأنه ضرورة بالنسبة للمسلم العادي، ليحافظ على إسلامه ويحتمي من الردة التي تطل برأسها على صورة مبادئ ومذاهب إلحادية، أو موجات تشكيكية، أو انجراف في الحياة المادية، أو على صورة تخل بالشعائر من الصلاة والزكاة وغيرها، أو الغفلة عن المعتقدات التي بعث الله بها رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام أو على أي صورة أخرى.


الجمعة، 15 فبراير 2013

ألا إنّ نصر الله قريب


منديل بن محمد الفقيه

إنّ المتأمل في حال الأمة اليوم، وما وصلت إليه من القهر والذل ، ربما أصابه اليأس مما وصلت إليه الأمة من الضعف والهوان وتساءل: هل يمكن أن تقوم للمسلمين قائمة، ويعودوا إلى سابق عزهم ومكانتهم وقيادتهم للبشرية؟ بعد أن تكالب عليهم أعداؤهم من كل حدب وصوب؟ هل يمكن أن تعود الأمة إلى عزها وتنفض غبار النوم عنها؟ وهل سيأتي نصر الله عز وجل بعد كل هذا الهوان؟ أسئلة مريرة تدل على حالة من اليأس والقنوط تعيشها الأمة من أقصاها إلى أقصاها، لذلك كان من الضروري تسليط الأضواء على هذه الحالة لطرد اليأس وإعادة الأمل إلى قلوب هذه الأمة المباركة المنصورة إلى قيام الساعة، فأقول وبالله التوفيق: لا شك أن كل مسلم يتطلع دائماً إلى نصر الله عز وجل لأوليائه المؤمنين، كيف لا يتطلع وهو يقرأ قول الله وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ} كيف لا يتطلع وهو يقرأ قول الله للمؤمنين:{ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ }كيف لا يتطلع وهو يقرأ قول ربه:{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءامَنُواْ فِي الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَـٰد }فنصر الله لهذه الأمة نصر قريب، كما قال ربنا: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.

إخواني : هل يخالجكم شك في قوة الله وقدرته على نصرة دينه وأوليائه ؟ وهل ترتابون في ضعف كيد الأعداء مهما بلغت قوتهم وكثرت جموعهم ؟ وهل يتردد مسلم في أنّ العاقبة للمتقين ؟وأنّ الغلبة في نهاية المطاف للإسلام والمسلمين؟ تلك مسلمات لا تقبل الجدل وأدلتها من الكتاب والسنة قد لا تحصر وإن كان الله قد جعل لكل شيء قدرا ، وجعل للنصر والتمكين شروطا لا بد توفرها وهي ليست ضربا من المستحيل ولا فوق طاقات البشر ، ولكنها تحتاج إلى صدق وإخلاص وجهاد ونية . والمسلمون اليوم ممتحنون ليثبتوا صدق جهادهم لدينهم ، وولائهم لشرع ربهم والمؤمنين وبراءتهم الكفر والكافرين وقد قيل لمن هم خير منهم {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }.



إخواني: لا بد أن نعتقد أنَّ الحق والعدل أساس في هذا الكون، وأصل في بناء السماوات والأرض، وأنَّ الدنيا بدأت بالحق، وستنتهي بالحق، ويوم القيامة يتجلى الحق في أعلى وأجلّ صوره، ومن هذا الحق أن تعود لأمة الإسلام قيادتها للبشرية، ومن الحق أن يعود حكم الإسلام إلى الأرض كلِّها، ومن الحق والعدل أن تزول هذه الغشاوة، وأن تنقشع هذه الغُمة التي تحياها هذه الأمة. ولا يغرنكم انتفاش ريش اليهود والنصارى على الدنيا بأسرها في هذه الفترة، فإن الله جل وعلا يقول: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلادِ * مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} إنَّ الكفر والباطل وإن تسلط فإنَّ تسلطه محدود بقَدَر من الله، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستمر، لأن الله جعل لكل شيء نهاية. ولنفرض بأنَّ الكفار استطاعوا أن تكون لهم الغلبة مدة الحياة الدنيا كلِّها، ألسنا نحن المسلمين نعتقد ونؤمن بأنَّ الله قد وعدنا بالآخرة؟ وبالحياة الأبدية الباقية في الجنة ؟ فما قيمة الحياة الدنيا من أولها إلى آخرها مقارنة بالآخرة؟ ألا ترضون أن يأخذوا هم الدنيا وتكون لنا الآخرة؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر ((مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ)) البخاري. لقد قص الله عز وجل علينا قصة أصحاب الأخدود والطريقة التي انتهت إليها؟ إنها حادثة مؤلمة جدا، أن يَحْفُرَ الكفار أخدودا في الأرض، ثم يؤججوا فيه النيران، ثم يلقوا فيه أناساً أبرياء لا ذنب لهم سوى الإيمان {وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} ولحكمة يعلمها الله عز وجل لم يذكر في نهاية القصة أنَّه عاقب أولئك المجرمين أو انتقم منهم كما أخذ قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيبٍ وقومَ لوط، أو كما أخذ فرعون وجنودَه أخذ عزيز مقتدر. وعند المقارنة الدنيوية وإغفال عالم الآخرة، يكون هؤلاء المجرمون هم المنصورون، وأولئك المؤمنون هم الخاسرون ، لكنَّ الله عز وجل أخبرنا في هذه الحادثة بهذه النهاية المؤلمة، ليُعْلِمنا وليكشف لنا عن حقيقة أخرى، وهي أنَّ الحياة الدنيا بما فيها من لذائذ وآلام، ومتاع وحرمان، ليست هي القيمة الكبرى في الميزان، وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة، ولكن القيمة الكبرى في ميزان الله عز وجل هي قيمة العقيدة، والسلعة الرائجة في سوق الله تعالى هي سلعة الإيمان، وإنّ النصر في أرفع صوره هو انتصارُ العقيدة على الألم، وانتصارُ الإيمان على الشرك والكفر، {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ *الذي لَهُ مُلْكُ السموات وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شيء شَهِيدٌ} فالله عز وجل شهيد على هذه الحادثة، وهكذا اتصلت حياة المؤمنين في الأرض بالحياة الباقية الخالدة في الملأ الأعلى، واتصلت الدنيا بالآخرة، ولم تعد الأرض وحدها هي مجال المعركة بين الخير والشر، ولم تعد الدنيا هي خاتمة المطاف، ولا موعد الفصل في هذا الصراع. لقد انفسح المجال في المكان والزمان، والقيم والموازين، واتسعت آفاق النفس المؤمنة، وكبرت اهتماماتها، فصغرت الأرض وما عليها، وصغرت الحياة الدنيا وما يتعلق بها، وكَبُرَ المؤمن بمقدار ما معه من إيمان غيبي، فأخبر عن العقاب الأخروي لهؤلاء المجرمين فقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} أما أولئك الذين صبروا ، وأحرقتهم النار في هذه الدنيا ، فيقول الله عز وجل في شأنهم: {إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لهم جنات تَجرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} هذا هو الميزان ، ذلك الفوز الكبير. ولو أجرينا مقارنة بين الكفر والإسلام، لوجدنا أنَّ دين الله قديماً وحديثاً هو الغالب، وهو المسيطر مدةً أطولَ من سيطرة الكفار، فهل تعلموا أنَّ الناس بعد آدم عليه الصلاة والسلام بقوا مدَّة عشرة قرون على التوحيد والإسلام ؟!. وهل تعلموا أنَّ أمتنا بقيت حاكمة منذ بعثة نبيها صلى الله عليه وسلم إلى زمن سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924، أكثر من ثلاثة عشر قرناً من الزمان وهي أمة ظافرة منتصرة، بيدها تدبير كثير من أمور الدنيا حتى الأمم الكافرة، وهذه هي التي طالما تغنى بها كثير من شعراء المسلمين عندما قالوا:
ملكنـا هـذه الدنـيا قـرونا --- وأخضعها جدودٌ خالدونــا
وسـطَّرنا صحائـف من ضيـاء --- فما نسي الزمان ولا نسينـا

خاطب هارون الرشيد سحابة رآها تجري فقال: (أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجك) هذا ما كان في الماضي.
أمَّا عن مستقبل هذه الأمة فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن المعركة الفاصلة مع اليهود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ(( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ))مسلم.

إذاً لا يجوزُ أن نقارنَ لحظةً معينةً من عمرِ التاريخ وننسى الماضي كلَّه، والمستقبلَ كلَّه. إنَّ تسلط الكفار في هذا الوقت إنَّما هو تسلط مؤقت بقدر من الله عز وجل، ولحكمة منه سبحانه وتعالى، ودينُ الله غالبٌ، ونصرُ الله قريب، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} فهذه الأمَّة منصورة بإذن الله تعالى، وإنَّما تحتاج إلى من ينفض عنها الغبار.

إخواني : ربَّما يقتل أناس من هذه الأمة، وربَّما تباد جماعات ومجتمعات، وربَّما تسقط دول وتذهب أسماء وشعارات، وهذا كلُّه صحيح، لكنَّ الإسلام باق، والذي يريد أن يواجه الإسلام، أو يحارب الإسلام مسكين، مثله كمثل الذبابة التي تحاول حجب ضوء الشمس والله متم نوره ولو كره الكافرون، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}
إن هذا الدين هو سر بقاء هذه الأمة ووجودِها، وهذه الأمة إنما خلقت للإسلام، ووجدت للإسلام، والذي يريد أن يقضي على الإسلام فليقض على هذه الأمة، وهل يستطيع أحد أن يقضي على هذه الأمة، هيهات ثم هيهات!! فهذه الأمة موعودة بالبقاء، وليس بالبقاء فقط بل البقاء مع النصر والتمكين، ولا يزال الله عز وجل يخرج لهذه الأمة في كل مرحلة من تاريخها دعاةً علماءَ وقادةً ومجاهدين يستعملهم في خدمة هذا الدين، ولن يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا وسيدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ((لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ))أحمد وصححه الحاكم وابن حبان والألباني.
إنّ هذا الدين هو كلمة الله عز وجل، ولا إله إلا الله هي كلمة الإسلام، ومن ذا الذي يستطيع أن يُطفئ نور هذه الكلمة؟

إخواني : إننا بحاجة إلى التذكير بالمبشرات الصادقة لندفع بها اليأس والإحباط عن نفوسنا ونجدد العزائم ونتلمس أسباب النصر والتمكين فمن رحمة الله بأمتنا أن جعل لها بعد العسر يسرا وبعد الشدة والضيق فرجاً ومخرجا فقال :{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} ولن يغلب عسرٌ يسرين قال العلامة السعدي في تفسيره : ( بشارة عظيمة إنَّه كلَّما وجد عسرٌ وصعوبة فإنَّ اليسر يقارنه ويصاحبه حتى ولو دخل العسر جحر ضبٍ لدخل عليه اليسر فأخرجه ) كما قال تعالى :{ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" وإن الفرج مع الكرب وإن مع العسر يسرا" رواه أحمد وصححه الحاكم .
ومهما تلاحقت الخطوب واشتدت المكاره وتفنن الأعداء في أساليب العداوة والبغضاء فلا يغب عن البال أن نصر الله قريب وأن كيد الشيطان ضعيف وأن الغلبة في النهاية للحق وأهله { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} إنَّ الشدة تخفي وراءها فرجاً بإذن الله والمكروه يحمل الخير القادم بإذن الله وإنَّ الدلائل والبشائر من الكتاب والسنة ومن واقع الحضارات المادية المنهارة والآيلة للانهيار ومن واقع الأمة الإسلامية التي باتت الصحوة الإسلامية تسري بين رجالها ونساءها ومثقفيها وعوامها ومن واقع الأعداء كذلك وتآزرهم لضرب الإسلام وخنق المسلمين ، كلُّ هذه وغيرها تقول بلسان الحال : إنَّ الإسلام قادم وإنَّ الجولة القادمة للمسلمين إن شاء الله فعلى المسلمين أن يرجعوا إلى دينهم ويعدوا أنفسهم بما يستطيعون وليدركوا أنَّ النصر في النهاية ليس بقوة المسلمين وجهدهم ولا بكثرة عددهم وعتادهم وإنما بقوة الله ودفعه { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} والمسلمون إذا صدقوا كانوا سبباً لتحقيق قدر الله في عدوه وعدوهم { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فالنصر من عند الله فلا يهنوا ويضعفوا وهم يرون ما بالأعداء من قوة فيد الله فوق أيديهم وأمره بين الكاف والنون { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}

 فعودة يا مسلمون إلى دينكم، وبينوا الصورة المشرقة للإسلام، فالإسلام الآن متهم بالإرهاب والتطرف شئنا أم أبينا، فتحركوا لخدمة دين الله تعالى .
إخواني : إنّ نصر هذه الأمة قد انعقد غمامه وقد أقبلت أيامه فأحسنوا الظنَّ بربكم واجمعوا مع الأمل حسن العمل , وانصروا الله في أنفسكم ينجز لكم ما وعدكم من مصر على عدوكم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }واعلموا أنَّ الشدائد التي تمر بها الأمة هي أمارات ميلاد جديد بإذن الله فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا

إخواني : إنّ الدين دين الله وإنّ الحرمات حرماته والله أغير على دينه وحرماته منّا ، وهو الذي أنزل الدين وأرسل الرسول وتكفل بإظهار دينه ونصر رسله{ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}{ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}{ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } أسأل الله العلي القدير أن يصلح أحوال المسلمين وأن يأخذ بنواصيهم إلى الحق والهدى وأن يعجل النصر لأمتنا إنه سميع قريب مجيب .

الأربعاء، 6 فبراير 2013

دراسة: سيكولوجية التعذيب



الدكتورمحمد المهدى _ استشارى الطب النفسى
لم يعرف التعذيب في المخلوقات الأخرى، حتى الحيوانات المفترسة حين تتقاتل فإنها تفعل ذلك من أجل الحصول على الطعام أو حماية أنثاها وذريتها، وهي تكف عن القتال حين يتحقق الشبع ويتحقق الأمان، ولم يعرف عنها ممارستها للتعذيب والاستمتاع به والتفنن فيه كما يفعل البشر.
إذن فالتعذيب صناعة بشرية يمارسه فئة من الناس يتسمون باضطرابات في الشخصية، تجعلهم قادرين على تجاوز الحدود المعروفة للرحمة والشفقة والعدل واحترام قدسية الحياة وكرامة الإنسان.
والإنسان كائن متفرد، فبقدر استحقاقه للتكريم والرفعة حين يصعد من خلال المنهج الإلهي إلى أعلى مراتب السمو، فإنه في المقابل حين يهبط أو تهبط به غرائزه إنما يصل إلى أعماق سحيقة من الانحطاط والدناءة لا تعرفها المخلوقات الأخرى ولا تصل إليها.
والإنسان لديه غريزتان هامتان ومؤثرتان هما غريزة الجنس وغريزة العدوان، وهاتان الغريزتان تقعان في الأحوال الطبيعية تحت سيطرة العقل الواعى ( الأنا ) والضمير ( الأنا الأعلى ) . أما إذا ضعفت هذه السيطرة بتغيب العقل أو تنحية الضمير كما هو الحال في الحضارة الغربية الأمريكية المخمورة المتنكرة لقواعد الأخلاق والضمير فإن هاتين الغريزتين البدائيتين المتوحشتين تنطلقان بلا ضابط وتتجاوزان كل الخطوط الحمراء في قتل البشر وتعذيبهم واحتقارهم، وربما تغطي كل هذا التجاوز باستخدام كلمات خادعة مثل الاستخدام المفرط للقوة أو الأخطاء الفردية لبعض الجنود.
وإذا كنا سنتحدث عن التعذيب وسيكولوجيته فنحن نتحدث عنه بمنظور شامل كعمل بشري بغيض ربما يقوم به المعتدي الخارجى الأمريكي أو البريطاني أو الإسرائيلي أ و المعتدي الداخلي )حاكم مستبد أومسئول ظالم ) ، ولا فرق بين الاثنين في بشاعة هذا الفعل، بل ربما يكون الجرح من المعتدي الداخلي من بني جلدتنا أشد إيلاما لنفس المعذبين.
الخصائص النفسية للمعذِّبين:

المعذِّبون بكسر الذال) إما أن يقوموا بذلك بشكل غير مباشر وهو إعطاء الأوامر أو إعطاء الضوء الأخضر أو التغاضي أو التعامي وهؤلاء يمثلون أحيانا قمة الهرم السياسي أو العسكري وغالبا يفلتون من المسئولية لأنهم عادة يكونون على قدر من الحيطة والحذر بحيث لا يسهل وقوعهم تحت المساءلة أو أنهم يدوسون القانون (كما يدوسون آدمية الإنسان) تحت أقدامهم، وإما أن يقوموا به بشكل مباشر وهؤلاء هم المنفذون للتعذيب وغالبا ما يكونون جنودا أو ضباط صف أو ضباط صغار، وقد يقدمون ككبش فداء إذا انكشفت فضائح التعذيب.وإذا تتبعنا خصائص المعذِّبين النفسية فسنجدها كالتالي:

1 – السادية
Sadism: وهي تعني استمتاع الشخص برؤية الآخرين وهم يتألمون وحصوله على نشوة نفسية (وأحيانا جنسية) من القيام بتعذيب الآخرين، وهذه السادية تعتبر اضطرابا شديدا في الشخصية يجعلها تسعى نحو إذلال الآخرين والتنكيل بهم، والشخصية السادية لا تستطيع العيش إلا بهذا الأسلوب، وهذه الصفة قد تكون في الآمرين بالتعذيب أو المنفذين له.

2 – المسايرة: هذه الصفة قد تكون مستغرَبةً ومتناقضةً مع الصفة السابقة، ولكنها ضرورية جدا لمن يقومون بالتعذيب، فهم يستجيبون لأوامر رؤسائهم استجابة تتسم بالاستلاب والخضوع والمسايرة، ولا يناقشون هذه الأوامر ولا يعرضونها على عقل واع أو ضمير حي، فهم في هذه الحالة يطيعون رؤساءهم طاعة عمياء وينفذون أوامرهم في التعذيب دون بصيرة، وغالبا ما يكون هؤلاء المسايرون المنفذون من أصحاب الذكاء المحدود والثقافة الضحلة أو المنعدمة، ومن الذين يسهل إقناعهم واستهوائهم والإيحاء لهم بأن ما يفعلونه فيه مصلحة للبلد أو للبشرية أو لقضية ما.

3 – الشخصية السيكوباتية ( المستهينة بالمجتمع)
Dissocial Personality وهي شخصية مضادة للمجتمع لا تحترم قوانينه ولا قيمه ولا أعرافه، وهي شخصية عدوانية لا تعرف الإحساس بالذنب أو الندم ولا تتعلم من تجاربها السابقة ولا تعرف الشفقة أو الرحمة أو العدل أو الكرامة، وكل ما يهم هذه الشخصية هو تحقيق أكبر قدر من اللذة حتى لو كانت هذه اللذة مبنية على أكبر قدر من الألم الذي يصيب الآخرين.
والسيكوباتي ليس بالضرورة لصا بل أحيانا تجد هذه الصفات في رؤساء أعتى الدول وفي مسئولين كبار، وفي هذه الحالة نجد الصفات السيكوباتية مغلفة بقناع من الدبلوماسية والنعومة ولهذا يطلق على هذا النوع وصف (السيكوباتي المهذب-Decent  Psychopath وهو أخطر من السيكوباتي العنيف الظاهر العنف لأن الأول يحمل كل صفات السيكوباتية مضافا إليها صفات الخداع والتستر , وهذه الشخصية تتسم بالانتهازية والبراجماتية...... والقانون والأخلاق لديها كلمات ليس لها معنى أو وجود وهي تستخدمها فقط حين تجد  ذلك في مصلحتها .

4 – الشخصية البارانوية ( الزورانية )
PARANOID PERSONALITY وهي شخصية متعالية متغطرسة ترى في الجميع أعداءً لها، وتتوقع النوايا السيئة والأفعال السيئة من الناس، لذلك فهي تتسم بسوء الظن وتلجأ إلى العدوان الاستباقي أو الوقائي وتبرر هذا العدوان بأنه لحماية نفسها أو غيرها من الإرهاب أو الأذى المتوقع من الغير (الأشرار دائما في نظرها)، وهذه الشخصية تحتقر الآخر وتسحقه إذا استطاعت وبالتالي فلن ترعى له حرمة أو كرامة ولن تأخذها الرحمة أو الشفقة بها لأنها تعتبر الجميع شياطين أو حشرات صغيرة تستحق السحق والتعذيب والإذلال.

5 – التبرير
Rationalization، وهو أحد الدفاعات النفسية التي يستخدمها المعذِّبون من غير الأنواع السابقة لكي يقوموا بالتعذيب وهم مرتاحو الضمير، فمثلا يعتبرون التعذيب وسيلة مشروعة لتحقيق الأمن لبقية الناس أو لانتزاع اعترافات مهمة تؤدي إلى تحقيق السلام (في نظرهم أو نظر آمريهم وقادتهم)، فهم في النهاية يربطون التعذيب بقيمة وطنية أو أمنية تسمح لهم بقبوله والتفنن فيه.
وسائل التعذيب:
تعددت وتنوعت وسائل التعذيب في الثقافات المختلفة من الضرب إلى الكي بالنار إلى غمس الرأس في الماء شديد البرودة أو شديد السخونة، إلى وضع الرأس في كيس ملئ بالفئران أو الثعابين، إلى منع الشخص من النوم، إلى تعليقه من رجليه في سقف لفترة طويلة، إلى الاعتداء عليه جنسيا أو الاعتداء على زوجته أو ابنته أمامه ، إلي صعقه بالكهرباء إلى إطلاق الحيوانات المتوحشة عليه...الخ.
وهناك خبراء في التعذيب يجمعون بين دراسة علم النفس ودراسات أمنية وسياسية أخرى، وهؤلاء الخبراء يضعون أنفسهم في خدمة الطغاة والمستبدين ليحققوا لهم السيطرة على خصومهم من خلال معرفة نقاط ضعف الإنسان والنفاذ منها والتأثير عليه من خلالها.
وقد جمع علماء النفس العوامل المشتركة في وسائل التعذيب فوجدوها كالتالي:
1 – تحقيق أكبر قدر من الألم لدى الضحية (المعذَّب): وذلك بالتأثير على جهازه العصبي الطرفي بكل الوسائل المتاحة كالضرب والكي والصعق وغيرها، وهم يحرصون على تجاوز حدود احتمال الضحية للألم لكي تنهار دفاعاته ولذلك يقومون بعمل زيادة تصاعدية لحدة الألم حتى ينهار الضحية نفسيا أو يموت نتيجة صدمة الألم وهم لا يعرفون متى سينهار ولا متى سيموت لذلك يحدث هذا أو ذاك في أي لحظة.
2 – غياب السقف الزمني، وذلك من خلال الإيحاء للضحية بأن تعذيبه مستمر إلى ما لا نهاية، ولهذا يفقد الأمل في الخلاص وهذا يساعد على انهيار دفاعاته ومقاومته.
3 – غياب سقف الوسائل، وذلك من خلال تنويع وسائل التعذيب ومفاجأة الضحية بوسائل لا يعرفها وهذا يجعله يصاب بما يسمى بقلق التوقع Anticipation Anxiety، فهو يتوقع في كل لحظة ما هو أكثر إيلاما وبشاعة. 
4 – الاستباحة الجسدية: وذلك من خلال تعريض هذا الجسد لكل أنواع الإيذاء بما يوحي بالرغبة في تدميره تماما في أي لحظة دون اعتبار لحرمته أو لسلامته.

5 – الاستباحة النفسية: ويتم من خلالها تجاوز كل الخطوط الحمراء لدي هذا الشخص، فإذا عرفوا عنه مثلا اعتزازه بنفسه أهانوه وأذلوه حتى ينكسر كبرياؤه وتتحطم كرامته، وإذا عرفوا عنه اعتزازه بشرفه وأخلاقه اعتدوا عليه جنسيا ليوصلوه إلى الإحساس بالخجل والعار، وإذا عرفوا عنه حبه لزوجته وأولاده جاءوا بهم واستباحوهم جسديا ونفسيا وجنسيا أمام عينه حتى تنهار مقاومته.
الآثار النفسية للتعذيب:
تتوقف تلك الآثار على شدة التعذيب وتنوعه وتتوقف أيضا على شخصية الذي يقع عليه التعذيب،
وعلى وجود وسائل دعم بعد تخلصه من التعذيب. وبشكل عام يمكن أن نوجز هذه الآثار فيما يلي:

1 – انهيار الافتراضات الأساسية لدي الشخص الذي وقع عليه التعذيب (
Breakdown of Basic Assumptions)    فقد كان يعتقد فيما سبق أن للجسد حرمة وللنفس حرمة وللإنسانية كرامة، وكان يعتقد في وجود الرحمة والشفقة والعدل، ولكن بعد التعذيب الشديد تهتز كل هذه الافتراضات، وتهتز معها ثوابت كثيرة وقيم متعددة، ويهتز بنيانه النفسي بأكمله ويعيش سنوات بحثا عن صيغة جديدة تفسر ما حدث وتساعده على استيعابه في بنائه الفكري والوجداني في الوصول إلى ذلك ويعيش ما تبقى من عمره بقايا إنسان، خاصة إذا كان طفلا أو شابا صغيرا

2 – كرب مابعدالصدمة أو الكرب التالي للرضح(
Post –Traumatic Stress Disorder)، وهو اضطراب يقع لمن تعرضوا لأحداث مروعة عرضتهم للتهديد الشديد أو الخطر الداهم المهدد لحياتهم أو سلامتهم وهنا نجد الشخص يستعيد ذكرى التعذيب في أثناء يقظته وكأنه شريط سينمائي أو يستعيده في أحلامه، وكلما رأى أو سمع شيئا يذكره بهذه الأحداث فإنه يشعر وكأنها تحدث في اللحظة والتو، وهو يحاول تجنب كل ما يذكره بها.
بالإضافة إلى ذلك فإنه يصاب باضطراب في الجهاز العصبي يجعله شديد الحساسية لأي مؤثرات بصرية أو سمعية فنجده يرتجف لسماع أي صوت أو رؤية أي شيء.

3 – الاكتئاب (
Depression): وهو يحدث حين يشعر الإنسان المعذب بفقد الحيلة وفقد الأمل في القصاص وضياع كرامته أو كرامة من يحبهم فيصاب بحالة من الحزن وفقد الشهية للطعام ولكل شيء وعدم الإحساس بمعنى الحياة واضطراب النوم وربما تساوره بعض الأعراض الذهانية كوهامات الاضطهاد أو الهلاوس.

4 – الاضطرابات النفسجسدية: (
Psychosomatic Disorders ) وتأتي في صورة اضطرابات في الجهاز الهضمي أو الجهاز الدوري والقلب أو الجهاز التنفسي أو الجهاز التناسلي أو غيرها، وهذه الاضطرابات تأخذ صورة الأعراض الجسمانية المختلفة، وهي تحدث حين يتم كبت مشاعر الغضب ومشاعر العدوان تجاه ما حدث للشخص من تعذيب.

5 – الاتجاه للعنف والرغبة في الانتقام (
Aggression & Tendency To Revenge ) وهذا يحدث حين يجد الشخص المعذب فرصة للتعبير عن كل مشاعر الغضب والانتقام تجاه من قام بتعذيبه وربما تتفجر داخله مشاعر هائلة للعنف والعدوان تفوق بكثير ما تعرض له من ظلم.

التوصيات:

ولكي لا يواجه أحد من البشر أيا كان لونه أو جنسه أو دينه هذا الموقف شديد الصعوبة فإن على عقلاء الإنسانية أن يضعوا من القوانين ما يردع الشخصيات المضطربة أيا كان مستواها السياسي والاجتماعي عن ممارسة اضطرابها من خلال تعذيب الآخرين تحت أي دعوى أو مسمى أو تبرير، وهذه القوانين تطبق على الحكام والمحكومين على السواء وتقوم على تنفيذها جهات دولية محايدة ومحترمة كمحكمة العدل الدولية أو محكمة مجرمي الحرب أو ما نقترح تسميتها) محكمة مجرمي التعذيب( , وهذه المحاكم أو اللجان الدولية المحايدة والملتزمة بالشرعية الدولية ومواثيق الأديان والأخلاق يكون لها حق التفتيش المفاجئ على المعسكرات والمعتقلات والسجون وأقسام الشرطة في كل جزء من العالم وكتابة تقارير ترفع لمحكمة عليا تقوم بإصدار أحكامها التي يلتزم مجلس الأمن (بعد تخليصه من الهيمنة الأمريكية وغيرها( بتنفيذها.
ويلحق بذلك تشديد العقوبات ليس فقط على من يقومون بالتعذيب بشكل مباشر من الجنود وصغار الضباط وإنما علي كل من أصدر أمرا أو أعطى ضوءا أخضرا أو تقاضى أو تعامى أو ساهم بأي شكل في حدوث هذه الجريمة البشعة.
وهذه الجريمة كما هو معروف في أغلب الدساتير والقوانين لا تسقط بالتقادم وتظل تلاحق مرتكبيها مهما مرت عليها السنون، ولابد وأن يسبق هذا ويواكبه تدريس مادة حقوق الإنسان لطلبة المدارس وطلاب كليات الشرطة والكليات العسكرية، وتدريس أحكام القوانين الخاصة بانتهاك تلك الحقوق وارتكاب جريمة التعذيب أو غيرها.
ووإذا كانت الأديان كلها تعطي قداسة وحرمة لحياة الإنسان وكرامته وسلامته، فإن إيضاح ذلك لعامة الناس وخاصتهم يعمق في وعيهم قيمة الحياة وقيمة الكرامة الإنسانية ويربط كل ذلك بالعقيدة الدينية وبمنظومات القيم والأخلاق النابعة منها.


الاثنين، 4 فبراير 2013

إن ربي قريب مجيب




ماجد بن أحمد الصغير
اللهم لك الحمد أنت المستعان على كل نائبة ، وأنت المقصود عند كل نازلة ، لك عنت وجوهنا وخشعت لك أصواتنا ، أنت الرب الحق ... وأنت الملك الحق ... وأنت الإله الحق .أنت المدعوّ في المهمات ، وإليك المفزع في الملمات ، لا يندفع منها إلا ما دفعت ، ولا ينكشف منها إلا ما كشفت.
ونصلي ونسلم على أشرف رسلك وخاتم أنبيائك وعلى الآل والصحب ومن تبعهم بإحسان . أما بعد؛ فإن من حكمة الله أن يبتلى عباده بألوان من الهموم والأمراض والمصائب ؛ ليسألوه ، ويقفوا بين يديه ، فيجدوا رباً غنياً غير فقير ، وقريباً غير بعيد ، وعزيزاً غير ذليل لأن الابتلاء يسوق الإنسان إلى ربه سوقاً ، يتوسل إليه ويدعوه فيجد ربه قريباً مجيباً فيعرف العباد له قدرته وكرمه ورحمته وحكمته . ذلك هو اسم الله المجيب : ( إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) [هود:61] .
وفي خضم الحياة المادية يحتاج المؤمن إلى ملجئ يأوي إليه ، ومعين يعتمد عليه ، وقوي جليل يتقوى بقواه ، وعظيم كبير يحتمي بحماه ومفتاح ذلك الدعاء .
تسقط القوة ، وتعيا الحيلة فليس إلا الدعاء ...
تضيق الدنيا بأهلها حتى كأنها سم الخياط فليس إلا الدعاء .
بالدعاء تحل عقد المكاره ، ويفل حد الشدائد ، وبه يلتمس المخرج ، ومعه تفتح أبواب الفرج .
إن الدعاء معين من الخير لا ينضب ، ومدد من العون لا ينفد ؛ لأنه باب العطاء العظيم والله سبحانه يحب الداعين ولا يخيب السائلين !
إنه المُجِيب الذي يُقابِل السؤالَ والدُّعاء بالقَبُول والعَطاء .
إنه المجيب الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويغيث الملهوف إذا ناداه ، ويكشف السوء عن عباده ويرفع البلاء عن أحبائه .
كل الخلائق مفتقرة إليه ، ولا قوام لحياتها إلا عليه ، لا ملجأ لها منه إلا إليه ،وجميع الخلائق تصمد إليه وتعتمد عليه ، ولكن الله حكيم في إجابته ، قد يعجل أو يؤجل على حسب السائل والسؤال ، أو يلطف بعبده باختياره الأفضل لواقع الحال ، أو يدخر له ما ينفعه عند المصير والمآل ، لكن الله تعالى يجيب عبده حتماً ولا يخيب ظنه أبداً كما وعد وقال وهو أصدق القائلين (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَليَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) [البقرة:186] ، وقال : (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) [غافر:60]
إنه الإله العظيم القريب المجيب ... يدعى لكشف الضر ؛ فترسل السماء ماءها وتخرج الأرض بركاتها وزهرتها ...
خرج رجل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً فقال يا رسول الله : هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا . قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، فقال : اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا . قال أنس : ولا والله مانرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئاً ، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار . قال : فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت .قال : والله مارأينا الشمس ستاً ، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائماً ، فقال : يارسول الله هلكت الأموال ، وانقطعت السبل فادع الله يمسكها . قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، ثم قال : اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال والآجام والضراب والأودية ومنابت الشجر . قال : فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس )
).متفق عليه : رواه البخاري برقم 967 ، ومسلم برقم 898 من حديث أنس رضي الله عنهما . )
وفي كتاب ( الفرح بعد الشدة ) للتنوخي أن امرأة بالبادية ، جاء البرد فذهب بزرع كان لها، فجاء الناس يعزونها ، فرفعت طرفها إلى السماء ، وقالت : اللهم أنت المأمول لأحسن الخلف ، وبيدك التعويض عما تلف ، فافعل بنا ما أنت أهله ، فإن أرزاقنا عليك، وآمالنا مصروفة إليك . قال: فلم أبرح، حتى جاء رجل من الأجلاء ، فحدث بما كان ، فوهب لها خمسمائة دينار .
إنه الإله العظيم الكريم المجيب ... يدعى ويؤمل لصلاح القلب ، فتذهب عن النفوس شدتها ، وعن القلوب قسوتها، ويبتهل إليه لشفاء السقيم ومغفرة الذنب العظيم ، فيشفى المرض ويغفر الذنب .
إنه مجيب السائلين صاحب العطايا ، ومنزل البركات ... وفي ساعات الاضطرار واليأس من كل قريب ، وانقطاع الأسباب عن كل مجيب فالله هو الذي ( يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) (النمل:62) .
أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب : (( المجابين )) عن الحسن – رحمه الله – أنه قال : كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار يكنى أبا مغلق وكان تاجراً يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق وكان ناسكاً ورعاً فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح . فقال له : ضع ما معك فإني قاتلك ! قال : فما تريد إلى دمي فشأنك والمال ؟ قال : أما المال فلي ، ولست أريد إلا دمك . قال : أما إذا أبيت فذرني أصلى أربع ركعات قال صلى ما بدا لك فتوضأ ثم صلى أربع ركعات فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال : يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعالاً لما تريد أسألك بعزك الذي لا يرام ، وبملكك الذي لا يضام ، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص يا مغيث أغثني يا مغيث أغثني ، يا مغيث أغثني ، يامغيث أغثني ، يا مغيث أغثني ، فإذا هو بفارس أقبل بيده حربة قد وضعها بين أذني فرسه فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله ثم أقبل إليه ، فقال : قم ، فقال : من أنت بأبي أنت وأمي فقد أغاثني الله بك اليوم ، فقال : أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت فسمعت لأبواب السماء قعقعة ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي دعاء مكروب فسألت الله أن يوليني قتله . قال الحسن فمن توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروبا كان أو غير مكروب  ).
فإذا كنت في كرب وشدة فإن الفرج موصول بالدعاء فإنه سبحانه نعم المجيب ( ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ) ، ( وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) (الأنبياء:76) .
وإذا كنت في ضر ومرض وألم فلا تضن على نفسك بالدعاء فبه يكشف الضر وبه يزول : (وأيوب إذ نادى ربه أني مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء:84) .
وإذا دفعت إلى شدة شديدة ، وخوف عظيم ، لا حيلة لك فيها، ، فالجأ إلى الصلاة والدعاء ، وأقبل على التضرع والبكاء ، وأسأل الله عز وجل تعجيل الفرج فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو عند الكرب يقول : ( لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش الكريم لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم )
[أخرجه البخاري في صحيحه ( 5/ 2336 برقم 5986 ) ]

وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك بن عبدك بن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً فقيل : يا رسول الله ألا نتعلمها ؟ قال : بل ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها )
[ أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/391 برقم  3712] . قال ابن مسعود : ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء:88)
وفي كتاب ( الفرج بعد الشدة ) أن الوليد بن عبد الملك بن مروان كتب إلى صالح بن عبد الله المزني، عامله على المدينة، أن أنزل الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فاضربه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خمسمائة سوط.
قال: فأخرجه صالح إلى المسجد، ليقرأ عليهم كتاب الوليد بن عبد الملك، ثم ينزل فيضرب الحسن، فبينما هو يقرأ الكتاب، إذ جاء علي بن الحسين عليهما السلام ، مبادراً يريد الحسن، فدخل والناس معه إلى المسجد، واجتمع الناس، حتى انتهى إلى الحسن فقال له: يا ابن عم، ادع بدعاء الكرب . فقال : وما هو يا ابن عم قال: قل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين [6]. قال: وانصرف علي، وأقبل الحسن يكررها دفعات كثيرة. فلما فرغ صالح من قراءة الكتاب ونزل عن المنبر، قال للناس: أرى سحنة رجل مظلوم، أخروا أمره حتى أراجع أمير المؤمنين، وأكتب في أمره . ففعل ذلك ، ولم يزل يكاتب ، حتى أطلق . قال: وكان الناس يدعون ، ويكررون هذا الدعاء ، وحفظوه . قال: فما دعونا بهذا الدعاء في شدة إلا فرجها الله عنا بمنه . )

اللهم إليك نفزع ، وعليك نتوكل ، وإياك نستعين ...
سبحانك لا مغلق لما فتحت ، ولا فاتح لما أغلقت 
...
سبحانك لا ميسر لما عسرت ، ولا معسر لما يسرت 
...
اللهم اجعل لنا وللمستضعفين من المؤمنين من كل هم فرجاً ، ومن كل ضيق مخرجاً ، ومن كل بلاء عافية . دعوناك كما أمرتنا ، فاستجب لنا كما وعدتنا وأنت القريب المجيب ، لا نخيب ونحن لك راجون ، ولا نذل ونحن بابك واقفون ، ولا نفتقر ونحن لك قاصدون.


المصدر