الجمعة، 22 فبراير 2013

أدب السجون والتعذيب


 زهير قوطرش



عندما يهبط الظلام ويسود الهدوء في أنحاء المعمورة، ويأوي الناس إلى مضاجعهم، يحملون معهم أحداث يومهم المنصرم همومه ,أفراحه وأحزانه. في تلك اللحظات يحلو لي السهر مع صديق عمري ،كتاب أحبه ويحبني أقلب صفحاته أتحدث إليه ويحدثني ،ونعيش في حالة وجدانية نتبادل معها خبرة العمر وتجارب السنين. وفي إحدى الأمسيات قررت أن أترك صديقي لاختلافي معه في الرأي، وضعته جانبا وبدأت استعرض قنوات التلفاز.و فجأة ومن على إحدى الفضائيات, استوقفني عنوان البرنامج التلفزيوني "أدب السجون  أو أدب التعذيب في السجون العربية "،تابعت الحلقة باهتمام بالغ، وكنت لا اصدق ما أسمع عن حالات التعذيب , الذل والقهر, والانتهاك للكرامة الإنسانية, وخاصة في سجون إحدى الدول العربية . ليس من الضروري تسمية تلك الدولة باسمها الحقيقي لأنه بالإمكان أن نسقط أسمها على أسماء كل الدول العربية بدون استثناء فيستقيم المعنى . عشرات السنين قبع هؤلاء المساكين في غياهب السجون بدون محاكمة, وبدون أدنى حق في الدفاع عن أنفسهم، سُجنوا بذرائع لا يقبلها العقل ولا المنطق. التهمة الوحيدة التي وجهت إليهم ، أنهم كانوا أصحاب فكر وأصحاب عقيدة ، حاربوا الفساد والظلم والاستبداد وطالبوا بالإصلاح وتصحيح المسار وكما يقال ,(معارضة سلمية شريفة). تأثرت في الحقيقة لدرجة البكاء وخاصة عندما سمعت معاناة بعض السجناء وما تحملوه من صنوف القهر والتعذيب التي لم أسمع عنها من قبل إلا في سجون النازية والفاشية أو في الوثائق التاريخية من أرشيف الشعوب القديمة الهمجية, السجن ترك على هؤلاء أثاراً بدنية ونفسية سيحملونها معهم الى العالم الأخر ,وليت الأمر توقف عند معاناتهم الشخصية بل تعدى ذلك الى معاناة أمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم أثناء وبعد فترة السجن. وكنت أحدث نفسي عندما سمعت منهم صنوف التعذيب والقهر واللواط الذي مورس عليهم ,هل يعقل أن يتحول الإنسان ضد أخيه الإنسان إلى هذا المستوى الحيواني. لا فرق عند السلطة الأمنية وأسيادهم ممن أعطوا الضوء الأخر لهذه الممارسات بين رجل وامرأة فقدوا النخوة والشهامة والشرف وانحطوا إلى أدنى مستوى يمكن أن يصل إليه الإنسان في هذا العصر من قسوة وسادية. 



بعض نماذج من أشكال التعذيب


تحدث أحد المعتقلين بقوله: "خلال هذه الأيام (يتحدث عن حملة تم تعذيب بعض المساجين بشكل جماعي).كان المُعتقل يُرغَم على البقاء واقفاً ليل نهار ممنوعاً من النوم تحت طائلة الضرب مجدداً,وخلال الأربعة والعشرين ساعة كانت تقدم له وجبة غذاء واحدة تقتصر على بضع حبات من الزيتون .وكان العطش هو الوسيلة الأكثر إيلاماً,إذ تمر ساعات وساعات دون تقديم قطرة ماء,لدرجة أن المرء كان يضطر إلى لعق الماء الذي يلقى عليه أثناء الجلد بلا رحمة ,ليشعر بعد ذلك بمزيد العطش لاختلاط الماء بتراب الأرض".

وقد كتبت إحدى سجينات الرأي بمذكراتها.  "إنني قد أنسى أنكم علقتموني يوماً من رجليَّ,مخالفين في ذلك كل تقاليد بلادنا العربية, وأن جلادكم قد انهال عليَّ ضرباً بالسياط حتى أدميت قدماي.وقد تمحى من ذاكرتي صورة ذلك الوحش الذي جرني من شعري على ارض السجن , ولكني لا أنسى مدى الحياة أنكم حاولتم أن تطعنونني في شرفي ,وفي كرامتي وأخلاقي......" .

بعض المساجين .تحدث عن حالات التعذيب بواسطة صعقات التيار الكهربائي ,أو الضرب حتى فقدان الوعي .أو إحضار الزوجة أو البنت والتهديد بممارسة الجنس معهن أمام عيون السجين إذا لم يوقع على كتاب الإذعان والتعاون مع السلطة وذلك ضد قناعاته ومبادئه.أو سجنهم في غرف إفرادية لسنوات في ظروف غير إنسانية .كل هذا حصل ويحصل في عالمنا الذي ندّعي أنه عالم الرحمة.

هذه أمثلة بسيطة لعدد لا يحصى من حالات التعذيب,والتي صار لها في ثقافتنا أدباً ,أسمه أدب ثقافة التعذيب في السجون العربية. كُتب فيها مؤلفات ,عالجت حالات أقل ما يقال فيها أنها إن دلت على شيء فإنها تدل على عقم وانحطاط إنسانية الحكام والقائمين على مثل هذه الممارسات.

تاريخ التعذيب


التعذيب ليس ابن اليوم, بل له تاريخ طويل منذ آلاف السنين قدَّرها بعض علماء الاجتماع إلى ثلاثة آلاف سنة تقريباً .كل الحضارات كانت تمارس التعذيب .الفرعونية التي بنت الأهرامات مارست اشد أنواع التعذيب ، كان يؤتى بالمعارض أو المتهم أمام الكاهن وعلى طاولته كتاب البراءة وكتاب الاتهام ويطلب من المسكين وضع يده على أي كتاب يختاره (ديمقراطية) فأن وضعها على كتاب الاتهام نفذت فيه عقوبة التعذيب والموت حتى ولو كان بريئاً . ,وإن وضعها على كتاب البراءة تمت تبرئته حتى ولو كان مجرماً ،لأن الكاهن لا يخطئ. والحضارة اليونانية لم تكن أكثر إنسانية من الفرعونية. فأفلاطون صاحب الجمهورية كان يقول العبد لا يتكلم إلا أذا تألم. وقسموا البشر الى أسياد وعبيد والآخرون. السيد لا يعذب مهما أجرم , فقط يدفع غرامة مالية . وكم عُذبَ العبيد والآخرون بدون رحمة وبدون شفقة هذه حال الحضارات القديمة، وقد دفعت ثمن ظلمها وتعسفها كأفراد وكأمة (فهل من متعظ) 
وليس حالنا الآن مع كل أسف، وخاصة في عالمنا المذكور بأفضل من الحضارة الفرعونية واليونانية .رغم المسافة الزمنية الفاصلة ، كل ما هنالك تعددت وتغيرت وسائل التعذيب حتى وصلت الى درجات تستطيع الأجهزة الأمنية أن تتفاخر وأن تحصل على جائزة نوبل للتعذيب في العالم.وهذا كله على مرأى من السلطة السياسية وعلى مرأى من رجال الفكر وعلماء الدين وخطباء المساجد (الصامتون).أمر غريب جدا!!ًالساكت على الظلم هو بمثابة الظالم.
 
التعذيب والمعاهدات الدولية


ثقافة التعذيب هي حالة قديمة حديثة تمارس بحق الإنسان دون مراعاة لا للقوانين الإلهية ولا إلى القوانين الوضعية. وللأسف هي مستمرة إلى يومنا هذا والى ما شاء الله. هناك 150 دولة من دول العالم يمارس فيها التعذيب بحق مواطنين معارضين معارضة سلمية ضد سياسة حكوماتهم الاستبدادية . أي ثلثي دول العالم تُنتهك فيها كرامة الإنسان مع العلم أنها جميعها وقعت على معاهدات منذ عام 1948 تحت عنوان مناهضة التعذيب. لكنهم منذ ذلك التاريخ وهم يحتالون عليها إما بشرعنتها تحت غطاء قانوني أو تأويلها بما يتناسب ومزاجية السلطة السياسية والأمنية ,والإنسان هو الكائن الوحيد المؤول ، هو يستطيع تأويل النص والقانون والمعاهدات بشكل يستطيع معه دخول باب, وخروجه من ألف باب.
كيف يمكن للإنسان أن يتردى أو ينزل إلى هذا الحضيض حيث يموت فيه الضمير الإنساني ويتحول الى أقذر الحيوانات. شيء لا يصدق! 


وجهة نظر


وما القول في الجلادين الذين يعذبون الناس ومن يقف وراء الجلادين ويعطيهم الأوامر ويزين لهم عملهم, شيء مخيف أن يصبح التعذيب ثقافة شرعية ابتلت فيها هذه الأمة إنها ثقافة الظلم الذي لا حدود له. فهل تأصلت هذه الثقافة في عالمنا ؟

انها لم تأتي من فراغ . فأنني مازلت أتذكر المدرسة الابتدائية التي مازال ُيمارسُ فيها التعذيب بحق الأطفال حتى في عالمنا اليوم عالم(الرحمة) كما يقال ،الأستاذ هو الجلاد، يمارس ضرب الأطفال بأبشع أنواع السادية .الآباء مع كل أسف يشهدون هذا الظلم بحق أبنائهم وهم يرددون ( اللحم لك يا أستاذ والعظم لنا)أو (ما ُكسر يا أستاذ نحن نجبره) ما هذه الثقافة؟ كيف يمكننا قبول ذلك؟ وماذا سيكون حال هذا الطفل عندما يكبر؟ ،سيحمل معه أثار هذا الظلم والتعذيب ليُفرغ جم غضبه وحقده إذا تمكن وصار في موقع المسؤولية على من يقع ضحية بين يديه .الزوج العربي والمسلم في الكثير من الحالات، مع كل أسف هو فرعون في بيته يمارس التعذيب بحق أولاده ,وإذا تدخلت زوجته المسكينة لتحمي الأولاد من ظلمه يقول لها إذا كنت لا تصبرين على ذلك تحملي عنهم، وتقبل طائعة حماية للأطفال فيجلدها ليشبع ساديته وعقده النفسية التي حملها من مدرسته وظلم أبيه في صغره ,الجلادون ينفذون أوامر أسيادهم بحق أعداء الشعب ( المعارضة) ، ً ولكنهم بالوقت نفسه ينتقمون من الماضي الذي أذلهم، صاروا عبيداً من دواخلهم لهذه الثقافة والعياذ بالله. 

وما هو الحل إذن ؟


الالتزام بالمعاهدات الدولية ! لا أعتقد ذلك !!!!! لأن التشريعات الوضعية في عالمنا لا معنى لها على الإطلاق فنحن أي حكامنا على استعداد لتوقيع ألف معاهدة لتصبح في النهاية حبر على ورق إذا لم نجد آلية المحاسبة وآلية تناوب السلطة وتفعيل منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان التي عليها فضح هذه الأساليب وفضح القائمين عليها لمحاسبتهم عاجلاً أم أجلاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق