الجمعة، 17 أغسطس 2012

شهادة حق في زمن الزور ! كتبتها من عرفت المعتقلين واهليهم




بقلم فاطمة عبد الله


بعد انتظار طويل قررت أن أخرج من دائرة الصمت الذي أرقني في هذه الأيام المباركة والليالي العظيمة، وبعد طول حديث مع نفسي التي تذكرني بأنه لا يقبل ممن علم الحق أن يكتمه فعزمت أن أبرئ نفسي أمام الله فنحن شهداء الله على الأرض معتذرةً لأهالي المعتقلين عن هذا التأخير.
لقد عرفت أفراداً من المعتقلين وأسرهم لسنوات طويلة بحكم الجوار والعمل الوظيفي، ومن أمثالي كثير طالت حواراتنا ومناقشاتنا حولهم وعجبت كيف اتفقت آراء الناس المخالطين لهم على صلاحهم وحسن أخلاقهم وأمانتهم وتميزهم في أعمالهم، وكنت أتساءل من يقيس الرأي العام تجاه قضية ما في مجتمعنا؟ وأي مؤسسة تتسم بالمصداقية حتى نقبل قياسها؟

أجزم ألا مؤسسة قادرة على ذلك لأن الواقع الذي نعيشه لا يعبر أبداً عما نسمعه من الناس حولنا، فالتصريحات الرسمية المقتضبة والحملة الإعلامية الجائرة الهادفة لتشويه سمعة المعتقلين وبناتهم تردها وقائع شهدناها بأعيننا وأقوال سمعناها بآذاننا نخشى فيها يوماً تتحدث فيه جوارحنا وتكتم أفواهنا فلا نجد بعدها مبرراً أمام الله لخذلانهم، فكلما سألت الله العتق من النار في ليالي رمضان بادرني قوله تعالى: (
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٦٥ سورة يس).
فيا ربي هذه شهادتي فيهم وأسألك ألا تؤاخذني ومن حولي ممن شجعوني على الكتابة من جيراني وزميلاتي بما فعل السفهاء منا ولا تجعلنا في زمرة الظالمين المدعين بالباطل وممن افترى على عبادك.
وهذه شهادتي فيمن خالطت منهم علها تكون شهادة حق في زمن الزور:
§        عملت مع مجموعة منهم في وزارة التربية والتعليم من الرجال والنساء فكنا نعجب من همتهم في العمل وتحملهم الضغوط بلا شكوى أو طلب مقابل، وتصدرهم للجوائز في مراكزها الأولى بالرغم من وقف ترقياتهم من سنوات طويلة، رأينا فيهم إخلاصاً قلما وجد عند أقرانهم ظهر في دقة الإنجاز والكفاءة في العمل، والقدرة على توليد الأفكار الإبداعية، ومهارات الحوار والعرض, والعمل خارج أوقات الدوام الرسمي وبالتالي كانوا يكلفون بأعمال مضاعفة لما نكلف به لأننا كنا كثيراً ما نرفض الأعمال المسائية أو الانتقال لمسافات طويلة. تعلمنا من ملفات إنجازهم المشرفة واستعنا بهم في دوراتنا التدريبية، فقد اجتهدوا على تنمية ذواتهم حتى سبقوا زمانهم.
أتساءل اليوم عن مظاهر الولاء وحب الوطن كيف تقاس عند البعض هل بمكاتب مطفأة الأنوار يداوم صاحبها لساعة أو ساعتين لأنه ينتظر ترقيةً لم تصل بعد فيمارس صوراً من التأديب لمديره ليعجل بطلب الترقية وهذا مشاهد بين في وزارة التربية؟ أم بشهادات مرضية مزورة تجلس بسببها الموظفة أو المُدرسة على مكتب في حين لا توجد مدرسة بديلة لاستلام جدولها وبالتالي توزع الحصص الدراسية احتياط أو تقضي الطالبات حصص المادة في ساحة المدرسة؟ وأتحدى من ينكر ذلك.
§        وجاورت بعضهم في الحي فكانوا خير الجيران فيكفي رجالهم فخراً شهادة المساجد قبل الناس في ارتيادها وفي حرصهم على الصلاة. وسؤالهم المستمر عن أحوال الجار وتشجيعهم لأبنائنا على الصلاة وحفظ القرآن.
وأكثر ما كان يلفت نظري صلاح أبنائهم فقد كانوا قدوات لأبنائنا وكثيراً ما كنت أسأل الله أن يكرمني في أبنائي كما أكرمهم، والعجيب أنه حتى من قدر الله له من الأبناء أن ينحرف سرعان ما يعود إلى الحق وكنت أقول لزوجي في مثل هذا الموقف: (وَكانَ أَبوهُما صالِحًا ﴿٨٢ سورة الكهف).
وكثيراً ما لفت نظري كذلك جلدهم في العبادة رأيت بناتهم في مساجد مختلفة بين صلاة التراويح وصلاة القيام ملازمات للمسجد بين ذكر وتلاوة للقرآن الكريم، وكنت أسأل بعضهن هل ختمت؟ لتجيب على استحياء نعم؟ وأقول في نفسي ربي أعنا على بناتنا. وأتذكر كم فتاة انشغلت في الأسواق في الوقت الذي انشغلت فيه بنات المعتقلين بالعبادة؟
وفي الحرم المكي رأيت مرابطتهن في المسجد الحرام في الوقت الذي تشكو فيه إحدى صديقاتي رفض ابنتها لأداء العمرة رغم محاولتها المتكررة معها، وتقول الصديقة الأخرى خسارة الأموال التي دفعتها لبناتي لعمرة رمضان فهن يصلين العشاء ثم يخرجن من المسجد للسوق في وقت صلاة القيام. لله در بنات المعتقلين كيف تميزوا على أقرانهم إلا بحسن تربية وتوفيق رباني.
§        وما رأينا من نسائهم إلا كل خير وقفة صادقة في الأفراح، ومواساة في الأحزان، وكثير من الجيران استعانوا بهن في فهم كتاب الله وتعلم تجويده وتفسيره. لا نزكيهم وأهليهم على الله ونحسبهم كذلك.
فماذا عسانا نقول لربنا إن سألنا عنهم؟ وبماذا نرد إن عاتبنا على التقصير في نصرتهم؟
§        لم نرى من المعتقلين أو أهليهم إلا أعمالاً مشرفة عبرت عن حب الوطن ولم نسمع منهم إلا عبارات الولاء لقيادته، ويتفق كثير ممن خالطوهم في أنحاء الإمارات ممن شاركوني الرأي على ذلك، فكيف يستطيع هؤلاء أن يخفوا الحقيقة في أفعالهم وأقوالهم لسنوات طويلة؟ ويراد منا أن نصدق فيهم بين عشية وضحاها خيانتهم للوطن؟
تمنيت لو تمت معاملة شعب الإمارات بما هو أهله فنحن لسنا بمغفلين ولا من آثار زمن الجهل والأساطير، فقد تخيلت وأنا أستعد للإجابة عن سؤال  أبنائي عن السبب في سجن عمي (فلان)؟ وعن السبب في أن أصدقائهم بلا (أب) أنني أحكي أسطورة من الزمن الغابر؟ فهل من احترام للعقول يتوافق مع صناعة وفبركة الأحداث؟
وهل بعد ما شهدت عليه أنفسنا نطالب بتصديق افتراءات وأكاذيب هم منها براء فوالله لو عرضت علينا الأدلة على خيانتهم لما صدقنا فيهم فنحن في زمن تقلب فيه الحقائق ولا نعلم من المستفيد من فت عضد المجتمع وتفريقه بعد أن كان هؤلاء المظلومين يعملون على الوحدة والتكافل والمساعدة في أروع صورها.
اللهم فإني أشهدك أني قد بلغت عني وعن جمع من الصادقين عبرت عما أوصوني به واتفقت آراؤهم عليه وراجعوا ما كتبت. لعله يقع في موضع حسن عند أصحاب الحق الحريصين على إحقاقه وممن يخشون عاقبة كتمانه والتواصي بالباطل على ذلك، فهيئ اللهم لهم من يذب عن عرضهم نصرة لله وإحقاقاً للحق.
نسأل الله أن يتقبل منا ويجعل شهادتنا حجة لنا لا علينا.

هناك تعليق واحد:

  1. ربي يجزيج خير الجزاء
    فعلا اللي قاعد يصير شي محزن ان نجوف الناس اللي ما تعرف عن الولاء و الوطنية اي شي و يتكلمون عن الرموز بهذه الطريفة
    المشكلة ان كل اللي يشتمهم و يتهكهم اتهامات باطلة ما سةا ربع ربع اللي سوه المعتقلين حق وطنهم
    الله بيظهر الحق ان شاء الله قريبا

    ردحذف