الثلاثاء، 18 يونيو 2013

تساؤلات حـــول البراءة




بعد القرار الذي أصدرته دائرة أمن الدولة بالمحكمة الاتحادية العليا بإقفال باب المرافعة في القضية الشهيرة "بالتنظيم السري" وحجزها للحكم بتاريخ 2/7/2013، أسدل الستار على القضية التي شغلت الرأي العام، استغرقت عملية التحقيق فيها قرابة السنة، واختزلت جلسات المحاكمة فيها إلى ثلاثة أشهر، فيما شهدت هذه المدة حملات إعلامية ،وتحركات أمنية ،كان لها الأثر الكبير على وضع المتهمين، والتأثير على قدرتهم في الدفاع عن أنفسهم.


إن ما وصفه البعض من أدلة "دامغة" جديدة ساقتها النيابة في مرافعتها الختامية، لم تعدُ سوى تكرار لتلاوة أمر الإحالة الذي كتبته النيابة يوم 27/1/2013 ، أي أن النيابة لم تضف شيئا منذ بدء المحاكمة حتى يوم مرافعتها.

ففي الوقت الذي يستوجب فيه وجود أدلة قاطعة ،في قضية بهذا الحجم ،يسعى فيها المتهمون - على حد زعم نيابة أمن الدولة - إلى قلب نظام الحكم في دولة الإمارات، والإستيلاء عليه ،تأتي الصدمة في أن تعتمد نيابة أمن الدولة في أدلة الإتهام ،على شاهدين إثنين من عناصر جهاز أمن الدولة ،قالا بأنهما قاما معا بالتحري عن كل شيء في هذه القضية ،بناء على مصدر سري، وجاءت شهادتهما في محاضر التحقيق متماثلة تصل إلى حد التطابق في الأخطاء اللغوية!!

ثم إن النيابة عجزت عن تقديم "تبرير" لسعي 94 مواطنا إماراتيا لهذه الجريمة، فأين توافر القصد الجنائي لدى 14 من حملة شهادات الدكتوراة ،و8 من حملة شهادات الماجستير، و55 من حملة شهادات البكالوريوس، في مختلف التخصصات، لقد تبين خلال التحقيقات أن 54 منهم محالين على المعاش منذ سنوات.
اتهامات بلا دليل

لم تجد نيابة أمن الدولة توصيفا لهم على فعلهم الإجرامي سوى أنهم سعوا إلى "اختراق كل قطاعات الدولة وأجهزتها" و "تسرب هؤلاء إلى مواقع الحكم واتخاذ القرار" ولا تفسير لهذا إلا ما قاله أحد المتهمين ساخرا معلقا على كلام النيابة "أن هذا اختراق عكسي" قام به متقاعدون، اختراق لن يفهمه أحد إلا أعضاء نيابة أمن الدولة نفسها.

أضافت نيابة أمن الدولة إلى عبارات الإتهام بأن المتهمين سعوا إلى "تأليب الرأي العام" ،و "التحريض" ،و "التشهير والتنديد بالسياسة العامة للدولة" ،ثم أوردت ألفاظا مثل "غير مشروعة"، "سري" ،"زعزعة"، إلخ...، في محاولة حثيثة منها لإسباغ جو إجرامي ،وإصرارعلى التهويل، والتضخيم ، لقد فضح إسراف النيابة في كيل الإتهامات الى المتهمين وفي كل الإتجاهات ، أنها كانت كالحادي للعيس في الصحراء.

اعتمدت نيابة أمن الدولة التصعيد في حرب كلامية غير متكافئة وكأنها تسعى في ذلك إلى إنعاش القضية إعلاميا، فلم يغب عن مرافعتها استخدام ألفاظ جارحة مهينة وغير مهنية وجهتها للمتهمين المواطنين وذلك استمرارا لنهج سارت عليه نيابة أمن الدولة منذ فجر الدعوى. فقالت إن هؤلاء الذين في القفص "أعداء" ويجب "القضاء عليهم"، كان هذا محسوما فور الإعلان عن القضية وقبل إلقاء القبض عليهم وسار معهم في خلال سير التحقيقات والمحاكمة. والعجيب أن يتصدى وكلاء نيابة غير مواطنين لتخوين متهمين ينتمون لهذه الدولة انتماء قويا وجذريا.
سقوط اعلامي

وتصدى الإعلام للمهمة ،حيث قامت الصحافة بدعم توجه نيابة أمن الدولة ،ولم يلتزم الإعلام –للأسف- بالحيادية ،والمهنية، في قضية منظورة أمام القضاء، فأضحت معها كلمة "البراءة" ،من "المحظورات" التي ينبغي تجنبها، حتى لا يخرج الصحفي عن الخط العام المرسوم. وصارت حرية التعبير،مقتصرة في الهجوم على المتهمين ،وكيل أفظع الأوصاف بحقهم ،وتخوينهم، أما دعوات التعقل ،والتريث، وتحكيم القانون ،فهي نداءات بغيضة ،لا تبغي إلا الشر للوطن.!! لسان الحال "نحن لا نسعى لتكوين قناعة" ،ولكن نسعى إلى "إقناع الرأي العام" ،أن المحاكمة على ما يرام، وأن "قضاءنا بخير" ،وأن هذا لا يعني شيئا إلا إدانة هؤلاء المتهمين.!!
مؤامرة كونية!!

في غضون ذلك كله كان المتهمون في معزل عما يحدث، وبخاصة الحملات المسعورة ضدهم، التي قادها البعض لإظهار "شيطنتهم وخيانتهم" للوطن، صوروا أن هناك "مؤامرة كونية" تسعى للقضاء على الدولة وأنهم –أي المتآمرون- "حاسدين للوطن" ، بل خرج كتاب جدد، ونشط كتاب قدامى ،وغدت كلمات مثل "الإصلاح" تستفزهم، وتستنفرهم، ليقولوا فيها ما لم يقله مالك في الخمر، ثم يعودوا للحديث عن الإعلام الحر والمسؤولية الأخلاقية !!
انتهاكات فاضحة

كيف يدافع المتهمون عن أنفسهم في مواجهة آلة أمنية، جردتهم من حقهم في الحماية القضائية ،وأحبطت الإجراءات القانونية، الهادفة لتمكينهم من حقهم في الحصول على نسخة كاملة من أوراق القضية ،ومقابلة المحامين على انفراد ولوقت كاف. بل وصل الأمر إلى أن قامت تلك الجهة الأمنية بقطع الإتصالات الهاتفية، ومنع إدخال الكتب، والقوانين، التي طلبها بعض المتهمين. إن حصارا كهذا ،كفيل لوحده لإهدار كافة حقوق المتهم، التي كفلها له القانون، ويغدو معه عاجزا عن تقديم دفاعه وإثبات الأصل في براءته.

ذلك فضلا عن 71 بلاغا بالتعذيب الذي تعرض له المتهمون، والمعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية، والتي استمرت طيلة الحبس السري الإنفرادي الذي امتد ل 240 يوما. ثم استفحل الأمر، وبدا واضحا مع الكشف عن التزوير ،والتحريف الفاضح ،الذي مارسته نيابة أمن الدولة في أقوال المتهمين ،منذ يوليو 2012 ،وحتى مارس 2013 ، والذي تم رصده من قبل المحامين ،والمتهمين، بالتاريخ ورقم الصفحة والسطر في 48 مستندا ،يمكن الإطلاع عليه الآن في الإنترنت، بالدليل والأوراق التي وزعتها نيابة أمن الدولة نفسها، مما سبب شرخا في جسد العدالة وهز الثقة العامة في هذا المرفق القضائي.
مخالفات قانونية

إن الكثير مما سمي "بالإجراءات" التي تم اتخاذها منذ بدء التحقيق، إنما تعد "جرائما" مورست في حق المتهمين، يعاقب عليها قانون العقوبات في دولة الإمارات والإتفاقيات الدولية، ناهيك أن طلبات المتهمين لم تلق استجابة مع تكرارها، في حين أكد محاموهم على عدم تخليهم عن تلك الطلبات حتى تاريح حجز الدعوى للحكم، وإصرارهم على فتح التحقيق في بلاغات التزوير والتعذيب التي طالت موكليهم والتي يبنى على نتائجها دفوع جوهرية مؤثرة في سير الدعوى وما سينتهي إليه القضاء.

إن الحكم كونه حكما نهائيا ،باتا غير قابل للطعن فيه من درجة واحدة ،بالإضافة لما سبق إنما يظهر مثلبة في النظام القضائي بالدولة ،بحيث تم هضم حق المتهم في الطعن على الحكم ،ولا يتصور أن يستمر هذا شاذا عن سائر الأحكام الأخرى التي حفظ القانون للخصوم فيها حق الطعن بكافة طرقه، وعلى 3 درجات ،مما يحفظ الرقابة على أحكام القضاء ،ويمنح الثقة في سير العدالة. وبظروف كهذه نأمل أن يظهر صوت الحق عاليا ويبين العدل عن نفسه رغم ما يكتنفه من "تدخلات".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق